يناقش الباحثان عوفير وينتر وعساف شيلواح في دراسة تحليلية موسّعة كيف أعادت السلطة المصرية منذ 2013 صياغة مفهوم الهوية الوطنية عبر مشروع «المصري الجديد»، باعتباره أداة سياسية وأيديولوجية لإعادة ضبط المجال العام، وإقصاء الخصوم، وضبط المجتمع، وذلك في سياق ما بعد إزاحة جماعة الإخوان المسلمين من الحكم. يوضح الكاتبان في مستهل التحليل أن هذا المشروع لا يمكن فصله عن صراع طويل على تعريف «من هو المصري» وعن محاولات الدولة احتكار هذا التعريف وربطه بالولاء السياسي.

 

تشير الدراسة، المنشورة على الموقع الإلكتروني لجامعة تل أبيب العبرية، إلى أن الجدل حول الهوية في مصر ليس جديدًا، بل يعود إلى بدايات القرن العشرين، حين تنازعت القومية المصرية الضيقة، والقومية العربية، والتصورات الإسلامية العابرة للدولة. يتبدل ميزان القوى بين هذه التصورات مع تغيّر الأنظمة، لكن صدام 2011–2013 فتح فراغًا أيديولوجيًا حاولت قوى متعددة ملأه، قبل أن تحسمه السلطة الحالية لصالحها عبر خطاب رسمي صارم.
 

الهوية المصرية بوصفها نقيضًا للإسلام السياسي


يبني النظام الحالي تعريفه للهوية المصرية على قاعدة سلبية في المقام الأول، إذ يقدّمها باعتبارها نقيضًا مباشرًا للهوية التي تطرحها جماعة الإخوان المسلمين. يوضح الباحثان أن هذا البناء لا يعتمد على تصور متكامل للهوية بقدر ما يعتمد على نفي الآخر وتجريده من الشرعية الوطنية. يربط الخطاب الرسمي بين «المصري الوطني» وبين الولاء للدولة القومية، ويصوّر الإسلام السياسي كخطر وجودي يهدد كيان الدولة، ويسعى إلى استبدالها بمشروع عابر للحدود.
 

يعرض النص كيف استُخدم هذا التقابل لتبرير إقصاء الإخوان سياسيًا، ولإضفاء طابع أخلاقي على العنف الرمزي والمادي الموجّه ضدهم، عبر تصويرهم كـ«خونة للهوية» و«سارقين للوعي الجمعي». يلاحظ الكاتبان أن هذا الخطاب وجد صدى لدى قطاعات تخوّفت من تكرار نماذج الدولة الدينية، لكنه ظل عاجزًا عن تقديم إجابة إيجابية عن سؤال: ما الذي يجمع المصريين فعلًا بعد إسقاط الخصم؟


صناعة «المصري الجديد» كأداة ضبط اجتماعي
 

ينتقل التحليل إلى المرحلة التالية، حيث حاولت السلطة الانتقال من خطاب النفي إلى خطاب البناء، عبر الترويج لفكرة «المصري الجديد». يشرح الباحثان أن هذا المفهوم لا يُطرح كمشروع مجتمعي مفتوح، بل كنموذج معياري تفرضه الدولة من أعلى، وتحدّد ملامحه وسلوكياته وحدود المقبول والمرفوض فيه.


يظهر «المصري الجديد» في الخطاب الرسمي بوصفه شخصًا منضبطًا، صبورًا على الأعباء الاقتصادية، متصالحًا مع السلطة، ومبتعدًا عن الاحتجاج والعمل السياسي المستقل. تربط السلطة هذا النموذج بضرورات «المرحلة» و«التحديات»، وتقدّم المعاناة الاقتصادية باعتبارها اختبارًا للانتماء الوطني. يلفت الباحثان إلى أن هذا التصور يعيد إنتاج فكرة المواطن الوظيفي، لا المواطن الشريك، ويختزل الوطنية في الطاعة وتحمل التكاليف.


يرصد النص كيف جرى تسخير التعليم، والمؤسسات الدينية، والإعلام، والمؤتمرات الشبابية لإعادة إنتاج هذا النموذج، مع تركيز خاص على الأجيال الشابة. لا تفتح هذه المساحات باب النقاش الحقيقي حول الهوية، بل تعمل كقنوات تلقين، تُقدَّم فيها الهوية باعتبارها حزمة جاهزة غير قابلة للنقاش أو المراجعة.


فسيفساء الهوية وتناقضاتها


يعرض الباحثان البعد الثالث في الخطاب الرسمي، والمتمثل في تقديم الهوية المصرية كـ«فسيفساء» من سبعة مكونات: الفرعوني، والقبطي، واليوناني الروماني، والإسلامي، والعربي، والمتوسطي، والأفريقي. يبدو هذا الطرح ظاهريًا شاملًا وتعدديًا، لكنه يخضع، بحسب الدراسة، لاستخدام انتقائي يخدم توجهات سياسية محددة.

 

يوضح التحليل أن استدعاء هذه المكونات لا يجري على قدم المساواة، بل تُفعَّل كل طبقة من طبقات الهوية بحسب الرسالة المطلوبة داخليًا أو خارجيًا. يستخدم الخطاب الفرعوني والمتوسطي لإعادة ربط مصر بسرديات الدولة القوية والمركزية، ويُستدعى البعد الأفريقي والعربي لتأكيد أدوار إقليمية عند الحاجة، بينما يُعاد تأطير البعد الإسلامي في صيغة منزوعة السياسة، محصورة في الأخلاق العامة والخطاب الوعظي.

 

يرى الباحثان أن هذا الاستخدام الأداتي للتاريخ والهوية ينتج تناقضات واضحة، إذ يرفع شعارات التعدد والتسامح، بينما يضيّق المجال العام، ويقمع الاختلاف، ويمنع تشكّل نقاش حر حول معنى الانتماء. تتحول الفسيفساء، في هذه الحالة، من مساحة غنى وتفاعل إلى واجهة تجميلية تخفي مركزية السلطة وهيمنتها على تعريف الذات الوطنية.
 

دلالات وخلاصات

 

تخلص الدراسة إلى أن مشروع «المصري الجديد» يواجه تحديات بنيوية، أهمها الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين الدعوة للتعدد وبين إدارة المجال العام بعقلية أحادية. يشير الباحثان إلى أن الهوية لا تُبنى عبر القرارات والمؤتمرات، بل عبر مشاركة اجتماعية واسعة، وحوار مفتوح، وشعور حقيقي بالعدالة والانتماء.
 

في ظل استمرار السياسات الإقصائية، وتقييد النقاش العام، يظل مشروع الهوية عرضة للتآكل، مهما بدا متماسكًا في الخطاب الرسمي. تؤكد الدراسة أن الهوية المفروضة من أعلى قد تخلق امتثالًا مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تنتج انتماءً راسخًا أو قناعة طويلة الأمد، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تعيش تناقضًا يوميًا بين الخطاب المعلن وواقعها المعاش.
 

https://www.inss.org.il/wp-content/uploads/2022/12/fe-2599166883.pdf